السيد نعمة الله الجزائري

451

عقود المرجان في تفسير القرآن

خبلك ومسّك بجنون لسبّك إيّاها وعداوتك لها ، مكافاة لك منها على سوء فعلك فمن ثمّ تتكلّم بكلام المجانين . فسمّوا التوبة والاستغفار جنونا . وهذا يدلّ على جهل مفرط حيث اعتقدوا في حجارة أنّها تنتصر وتنتقم ولعلّهم يجيزون عليها الثواب أيضا ! « أُشْهِدُ اللَّهَ » . من أعظم الآيات أن يواجه رجل واحد بهذا الكلام أمّة عطاشا إلى إراقة دمه . وذلك لثقته بعصمة ربّه . وقد أكّد براءته من آلهتهم وشركهم بما جرت به عادة الناس من توثيقهم الأمور بشهادة اللّه وشهادة العباد . فإن قلت : هلّا قيل : أشهد اللّه وأشهدكم ؟ قلت : لأنّ إشهاد اللّه على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد ، وأمّا إشهادهم فما هو إلّا تهاون بدينهم [ و ] دلالة على قلّة المبالاة بهم . فعدل به عن لفظ الأوّل لاختلاف ما بينهما وجيء به على لفظ الأمر حملا على المتعارف ؛ كما يقول الرجل لعدوّه : اشهد على أنّي لا أحبّك ، استهانة به . « مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ » ؛ أي : من جعلكم له شركاء من دونه . [ أو : ممّا تشركونه من آلهة من دونه . ] أي لم يجعلها هو شركاء ولم ينزل بذلك سلطانا . « فَكِيدُونِي جَمِيعاً » أنتم وآلهتكم . فإنّي لا أبالي بكم وأنتم الأقوياء ، فكيف تضرّني آلهتكم وما هي إلّا جماد ؟ وكيف تنتقم منّي إذا نلت منها بأن تذهب بعقلي ؟ « 1 » « لا تُنْظِرُونِ » ؛ أي : اعجلوا ولا تمهلوني . ( ع ) [ 56 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 56 ] إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) « آخِذٌ بِناصِيَتِها » . كناية عن القهر والقدرة . لأنّ من أخذ بناصية غيره ، فقد قهره . « عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ؛ أي : مع كونه قاهرا على عدل فيما يعامل به عباده . « 2 » « عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » لا يفوته ظالم ولا يضيع عنده معتصم به . « 3 »

--> ( 1 ) - الكشّاف 2 / 403 - 404 . ( 2 ) - مجمع البيان 5 / 259 . ( 3 ) - الكشّاف 2 / 404 .